نورالدين علي بن أحمد السمهودي
44
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
وأما المسجد الآخر - وهو الذي في قبلتهما ، المنسوب لأمير المؤمنين عليّ - فتهدّم بناؤه ، فجدّده الأمير زين الدين ضغيم بن حشرم المنصوري أمير المدينة الشريفة في سنة ست وسبعين وثمانمائة ، وكان سقفه عقدا ، وفيه مسن عليه اسم ابن أبي الهيجاء كالمسجدين الآخرين ، فجعل سقفه خشبا على أسطوان واحد ، وسقف كل من مسجد الفتح والذي في قبلته رواق واحد مقبوّ قبوا محكما ، وفي كل منهما ثلاث قناطر آخذة من المشرق إلى المغرب ، والظاهر أن الرحبة التي خف الرواق المذكور لم تغير عن حالها القديم . وذرع المسجد الأعلى من القبلة إلى الشام عشرون ذراعا ينقص يسيرا ، ومن المشرق إلى المغرب مما يلي القبلة سبعة عشر ذراعا . وذرع المسجد الأسفل المنسوب لسلمان رضي الله تعالى عنه من القبلة إلى الشام أربعة عشر ذراعا شافة ، ومن المشرق إلى المغرب مما يلي القبلة سبعة عشر ذراعا . وذرع المسجد الذي يليه - وهو المنسوب لعلي رضي الله عنه - من القبلة إلى الشام ثلاثة عشر ذراعا شافة ، ومن المشرق إلى المغرب مما يلي القبلة ستة عشر ذراعا شافة . مسجد بني حرام الكبير وينبغي لقاصد مساجد الفتح أن يزور مسجد بني حرام الكبير ، وهو غير مسجدهم الصغير الآتي ذكره ، وهذا المسجد هو الذي اتخذوه لشعبهم من سلع لما تحوّلوا إليه على ما قدمناه في ذكر المنازل ؛ لما فيه مما يقتضي أنهم تخلوا إليه بإذن النبي صلى اللّه عليه وسلم لهم . وقد روى رزين عن يحيى بن قتادة بن أبي قتادة عن مشيخة من قومه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم « كان يأتي دور الأنصار فيصلي في مساجدهم » . وقدمنا هناك أيضا أن عمر بن عبد العزيز زاد فيه على بناء أهله له مدماكين من أعلاه ، وطابق سقفه ، وكان أولا بخشب وجريد ، وجعل فيه زيت مسجد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ؛ فهذا يقتضي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم صلّى فيه ، لكن تقدم أيضا ما يقتضي أن بنى حرام إنما انتقلوا للشعب المذكور في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه . وروى ابن شبة في ذكر المساجد التي يقال إن النبي صلى اللّه عليه وسلم صلّى فيها ، ويقال إنه لم يصل فيها ، عن حرام بن عثمان أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يصلّ في مسجد بني حرام الأكبر ، ثم روى ما قدمناه من الاختلاف في وقت تحوّلهم إلى ذلك المحل . فيتلخص من ذلك أنه مما اختلف في صلاة النبي صلى اللّه عليه وسلم فيه ، ولذلك لم يفرده بالذكر ، وقد ظهر لي محله في قرية بني حرام بشعبهم غربي جبل سلع على يمين السالك إلى مساجد الفتح من الطريق القبلية ، وعلى يسار السالك إلى المدينة من مساجد الفتح ، فإذا جاوزت البطن الذي فيه مساجد الفتح وأنت قاصد المدينة يلقاك بعد ذلك بطن متسع من سلع فيه آثار قرية هي قرية بني حرام ، وذلك شعبهم ، وقد انهدم المسجد بأجمعه ، وبقي أساسه وآثار